محمد غازي عرابي
1154
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
إذ ترد الأنا إلى الأنا الخالصة فلا أنية ، وتذوب الشخصية في النقطة المركزية المشعة فلا شهود ، ويصحب هذا حس بالتعالي على الوجود فلا وجود إلا للواحد الأحد ، ثم يرد الإنسان إلى نفسه ، أو ترد نفسه إلى اللّه ، وهذه الأحوال تعيشها الصوفية وهم أحياء ، ويعيشها العوام أهوالا في حضرة الموت وسكراته ولات حين مناص . وهذا الكشف رآه موسى إذ نودي من وادي نفسه إني أنا ربك فاخلع نعليك ، أي نفسك وجسدك ، أما النفس فهي المرموز عليها بفرعون ، والمواجهة صريحة ، فانفتاح القلب على عالم الروح يجعل النفس المادية أثرا بعد عين . ولهذا الكشف آيات ، منها الآية التي أراها موسى فرعون فكذب وعصى واستكبر وتولى ، وقال أنا ربكم الأعلى ، والآية تري البصيرة أن قدرات النفس من قدرة اللّه ، وجوهرها جوهره ، فهي وهو في هوية واحدة ، فلا موجود سوى للوجود الحق ، والنفس أنانية تأبى التنازل عن دعوى وجودها وما لديها من قوى ، فالأمر عسير ، ومن لم تكتب له النجاة فيدخل في سم الخياط لا يلج في ملكوت السماوات ، وكم من سالك ارتد أو فتن ، وكم من مطالب بالتضحية بنفسه أبى واستكبر . ويذكر اللّه سبحانه بآياته في الآفاق وفي الأنفس وحقيقتها واحدة ، وقال ابن عربي : وتحسب أنك جرم صغير ، وفيك انطوى العالم الأكبر ، ففي الآيات إشارات إلى البنيان الإنساني ومما يتألف ، فسماؤه العقل ، واللّه رفع قواعد العقل ، وجعل له وجهين ، وجها إلى عالم المادة سمي الليل ، ووجها إلى عالم الروح وسمي الضحى ، ثم وضع هذا العقل في البدن ، وتحديدا في الدماغ ، ثم أخرج من العقل والدماغ ما هو مخزون فيهما من ماء العلوم ومرعى الحواس ، والمخزون هو الجبال الرواسي من المعقولات والتي هي متاع الإنسان ، فلا انفصال للإنسان عن العقل ، ولا انفصال للعقل عن المعقولات ، ولذلك سمي الإنسان العقل ، والعاقل والمعقول ، علما أن هذا الثلاثي إلهي الأصل ، فلولا اللّه ما تأنس الإنسان ، ولا فكر ، ولا استوى عاقلا بالعقل على عرش الوجود . والانصراف إلى جهة العالم السفلي انصراف إلى الجحيم ، ومد العينين إلى الحياة الدنيا وزينتها الوقوع في هذه التناقض ونيران الصراعات ، أما الانصراف إلى عالم الروح فهو وضع حد لطغيان النفس المادية ، فإذا أخلص الإنسان لربه الدين ، واتقاه ، فتحت له أبواب السماء ، وانهمرت عليه ماء العلوم الإلهية ، وهذا الإحياء هو الساعة ، فالساعة القيام من موت الجهل ، والساعة انكشاف الأمر للعارفين ، والساعة تمييز أصحاب الشمال من أصحاب اليمين من قبل رجال الأعراف الذين علوا سور العالم المادي فاطلعوا الغيب والسر ، فالساعة سر بين اللّه